المقريزي
24
إمتاع الأسماع
وله من حديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال : سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حديث أخبرني عبيد كيف كان بدء ما أبتدأ الله به رسوله من النبوة حين جاءه جبريل ؟ فقال عبيد : وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير وهو من عنده من الناس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ( 1 ) في حراء من كل سنة شهرا ، وكان ذلك مما تحنثت به قريش - والتحنث : التبرر ( 2 ) - فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر في كل سنة يطعم من جاءه من المساكين ، فإذا قضى جواره من ذلك الشهر كان أول ما ابتدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته من السنة التي بعث فيها ، وذلك الشهر شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله ، حتى كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ، ورحم العباد بها ، جاءه جبريل من الله تعالى ( 3 ) . وقال إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءني
--> ( 1 ) الجوار بالكسر في معنى المجاورة ، وهي الاعتكاف إلا من وجه واحد ، وهو أن الاعتكاف لا يكون إلا داخل المسجد ، والجوار قد يكون خارج المسجد ، كذلك قال ابن عبد البر ، ولذلك لم يسم جواره بحراء اعتكافا ، لأن حراء ليس من المسجد ، ولكنه من جبال الحرم ، وهو الجبل الذي نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له ثبير وهو على ظهره : اهبط عني ، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب ، فناداه حراء : إلي يا رسول الله . ( الروض الأنف للسهيلي ) . ( 2 ) التبرر : تفعل من البر ، وتفعل : يقتضي الدخول في الفعل ، وهو الأكثر فيها مثل : تفقه ، وتعبد ، وتنسك . وقال ابن هشام : تقول العرب : التحنث والتحنف ، يريدون الحنيفية فيدلون الفاء من الثاء ، قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول : " فم " في موضع " ثم " . ( المرجع السابق ) . ( 3 ) ( سيرة ابن هشام ) : 2 / 69 ، 70 .